الغزالي
41
إحياء علوم الدين
ووزان مسألة الطائر أن يتحقق نجاسة أحد الإناءين ، ويشتبه عينه ، فلا يجوز أن يستعمل أحدهما بغير اجتهاد ، لأنه قابل يقين النجاسة بيقين الطهارة ، فيبطل الاستصحاب . فكذلك هاهنا قد وقع الطلاق على إحدى الزوجتين قطعا ، والتبس عين المطلقة بغير المطلقة فنقول : اختلف أصحاب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه ، فقال قوم يستصحب بغير اجتهاد . وقال قوم بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب ، ولا يغنى الاجتهاد . وقال المقتصدون يجتهد . وهو الصحيح . ولكن وزانه أن تكون له زوجتان فيقول إن كان غرابا فزينب طالق ، وإن لم يكن فعمرة طالق . فلا جرم لا يجوز له غشيانهما بالاستصحاب ، ولا يجوز الاجتهاد ، إذ لا علامة . ونحر مهما عليه ، لأنه لو وطئهما ، كان مقتحما للحرام قطعا ، وإن وطئ إحداهما وقال اقتصر على هذه كان متحكما بتعيينها من غير ترجيح ففي هذا افترق حكم شخص واحد أو شخصين ، لأن التحريم على شخص واحد متحقق بخلاف الشخصين ، إذ كل واحد شك في التحريم في حق نفسه فإن قيل : فلو كان الإناءان لشخصين ، فينبغي أن يستغنى عن الاجتهاد ويتوضأ كل واحد بإنائه ، لأنه تيقن طهارته ، وقد شك الآن فيه فنقول : هذا محتمل في الفقه . والأرجح في ظني المنع . وأن تعدد الشخصين هاهنا كاتحاده ، لأن صحة الوضوء لا تستدعى ملكا . بل وضوء الإنسان بماء غيره في رفع الحدث كوضوئه بماء نفسه فلا يتبين لاختلاف الملك واتحاده أثر ، بخلاف الوطء لزوجة الغير فإنه لا يحل . ولأن للعلامات مدخلا في النجاسات ، والاجتهاد فيه ممكن ، بخلاف الطلاق فوجب تقوية الاستصحاب بعلامة ، ليدفع بها قوة يقين النجاسة المقابلة ليقين الطهارة . وأبواب الاستصحاب والترجيحات من غوامض الفقه ودقائقه . وقد استقصيناه في كتب الفقه ، ولسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها . القسم الثالث : أن يكون الأصل التحريم ، ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب . فهو مشكوك فيه . والغالب حله . فهذا ينظر فيه ، فإن استند غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعا ، فالذي نختار فيه أنه يحل ، واجتنابه من الورع مثاله : أن يرمى إلى صيد فيغيب ، ثم يدركه ميتا ، وليس عليه أثر سوى سهمه . ولكن يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر . فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى ، التحق